- الرئيسية
- المكتبة الإلكترونية
- دور الجماعات السلفية (الاسلامية واليهودية) في المجتمعين العربي والاسرائيلي وموقف المجتمع منها
دور الجماعات السلفية (الاسلامية واليهودية) في المجتمعين العربي والاسرائيلي وموقف المجتمع منها
دور الجماعات السلفية (الاسلامية واليهودية) في المجتمعين العربي والاسرائيلي وموقف المجتمع منها
الكاتب:
د. أمة السلام محمد جحاف
عدد الصفحات:
41
اللغة:
عربي
القسم:
الدراسات والابحاث المحكمة
تحميل
كان الدين ولا يزال ظاهرة اجتماعية هامة، رافقت مسيرة الإنسانية عبر محطاتها التاريخية، واستمرت في مواكبتها لتطور المجتمع الإنساني، تصوغ للإنسان الإطار النظري المعرفي والعقدي، الذي سيشكل، بشكل أو بآخر، إطاره الوجودي، ضمن نسق الحياة والكون والطبيعة.
ويتصف الدين السماوي بأُحادية التشريعات والأحكام، وما تعدد الأنبياء والرسالات إلا مراحل مر بها هذا الدين، فهو كائن حي، لابد أن يتدرج في مضامينه، كي يصل إلى مرحلة النضج النهائية، فكان الإسلام هو خاتمة الرسالات السماوية، وقمة نضوجها. وفي ظل هذه الأُحادية، التي أتسم بها الدين، تتنوع مواقف الناس (أهل الرأي) وأحوالهم واستجاباتهم، وتختلف وجهات انجذاب كل منهم لكل عنصر من عناصر الدين وخصائصه، فتتعدد فيهم جوانب الاهتمام به، وتتباين مدارسهم في فهم وتأويل آياته وأحكامه وغاياته.
وتبين لنا الدراسات الدينية، أن هناك من يؤكد على الجانب التعبدي؛ من صلاة وصوم، أكثر من تأكيده على غيرها، وهناك من يتوجه إلى الله بالشوق والوجد المشبوب، وهناك من يثيره الجانب الفكري والبحث في أصول العقيدة، وهناك من يعطي جل وقته وفكره لجانب الأحكام الاجتماعية والمعاملات، ومنهم من تحركه الاستجابة لنداء النهوض بالجماعة عبر النشاط السياسي. هذا التنوع في رؤى واجتهادات الفقهاء والعلماء، لم يكن قط موجهاً لإعادة تشكيل أتباع الدين الواحد إلى جماعات وفرق لا يربط بينها رابط، بل كان الهدف منه تبصير الناس بأمور دينهم، وما يثبت ويعزز الإيمان في الأفئدة والقلوب. إلا أن الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية، لعبت دوراً أساسياً في خلق تفرعات في الجسد الأصل. ومع استمرارية تلك الظروف، أصبح الفرع أصلاً والأصل فرعاً، واعتد كل فرع بفرعه على حساب الأصل. وحرصاً على إحقاق الحق، فمعظم إن لم يكن كل هذه التفرعات تقترب من النبع الرئيسي تارةً وتبتعد عنه تارةً أخرى، وغالباً ما تتحكم السياسة بتأرجحها ذاك، فينعكس على أنشطتها الروحية والفكرية والتربوية.
ومن ذلك، يظهر أن واحديه الدين، تسع التنوع والتغيير، في إطار المقدور لأصول الدين وأسسه، وأن هذا التنوع والتغيير، في هذا الإطار المقدور، لا يتنافى ولا يٌشكِلْ إزاء العلاقة بالمعبود عز وجل، بمعنى أنه اختلاف لا تنشأ معه مشكلة ما إزاء العلاقة الدينية، وما من علاقة، يعرفها البشر، تتسع لهذا الأمر، وتفسح المجال للتنوعات والتحركات في إطار الهيمنة الواحدة والثبات والدوام، بمثل ما يتسع الدين (البشرى 1990 : 33)، وهذا ما دفع Show إلى القول بأن هناك دين واحد فقط، ومع ذلك فهناك مئة نسخة (Sharkansky 0200: 23-24).
ومع ذلك، فإن إمكانية التنوع، التي يتسم بها الدين، قد وضعت المجتمعات في العصور المختلفة، أمام مآزق وصراعات شتى، كان سببها الأول والأخير هو الإنسان، وخاصة عندما يجعل هواه، بدلاً من عقله وضميره، هادياً له؛ فعندما يتبنى أحد أفراد المجتمع رؤية أو وجهة نظر دينية ما، ويجعلها أساساً للدين كله، فإنه غالباً ما يحيد عن الاعتدال والتوسط، فيلبس الدين رداءه الخاص، ويريد من الآخرين النظر إليه بمنظاره، وبالتالي تكون تلك الرؤية الخاصة، هي وسيلته لقياس درجة إيمان المحيطين به، وتحديد وجهاتهم، وإقصاء من يخالفه الرأي، ولو كان على ملته ودينه، لأن الدين، يصبح في هذه الحالة هو الهوية السحرية التي لها السيادة والهيمنة، وتحجب كل الانتماءات الأخرى (أمارتياصن 2008 :12).
ونتيجة لتعدد الرؤى الدينية، فقد انقسم الناس وفقاً لها، وظهر في المجتمعات ما يطلق عليه "الجماعات الدينية"، التي اختلفت فيما بينها من حيث الاعتدال والتشدد، وأطلق عليها، وفقاً للغة السائدة في المجتمع: إما المتحررة أو الأرثوذكسية، أو أسماء أخرى غيرها. أما في مجتمعنا العربي الإسلامي، فيُطلق على الجماعات المتشددة أو المغالية: "السلفية"، على اختلاف درجات تشددها. وسوف يتم تسليط الضوء، في هذه الدراسة، على الجماعات السلفية (الإسلامية واليهودية)، في المجتمعين العربي والإسرائيلي، وذلك للوقوف على أوجه التشابه والاختلاف بينهما، من ناحية، وعلى موقف المجتمعين (النظامين السياسيين) العربي والإسرائيلي منها.