- الرئيسية
- المكتبة الإلكترونية
- النزعة الإنفصالية والحركة الوطنية في جنوب اليمن 1930-1967 م
النزعة الإنفصالية والحركة الوطنية في جنوب اليمن 1930-1967 م
النزعة الإنفصالية والحركة الوطنية في جنوب اليمن 1930-1967 م
الكاتب:
د. ناصر محمد ناصر
عدد الصفحات:
27
اللغة:
عربي
القسم:
الدراسات والابحاث المحكمة
تحميل
سارت المجتمعات المتقدمة في تطورها انطلاقاً من بواعث احتياجاتها، فكانت مطالب التغيير ونظريات التغيير ومن ثم التغيير نفسه يأتي نتيجة لحاجة موضوعية، وبدون تصور مسبق لما ينبغي أن يكون عليه التغيير، إذ لا وجود هنا لنموج أو لنماذج جاهزة، تسعى الأطراف الداعية والدافعة إلى التغيير إلى تبنيها، فالواقع هنا المدفوع بالحاجة هو الذي سبق النظرية والنموذج وكان سبباً في وجوده، كما أن التطور والتغيير حدث في ظل معطيات الواقع المحلي وفي ظل صيرورته الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، فلم تكن هناك عوامل خارجية أحدثت قطع في مسيرة ذلك التطور، فغيرت من مساره أو أثرت عليه. ففي أوروبا كان الاستبداد الملكي المؤطر بمشروعية دينية يرتكز على طبقة إقطاعية وعلى قاعدة إنتاجية زراعية، وعندما بدأت الطبقة البرجوازية في الظهور، بدأت تظهر معها مطالبها على الصعيد النظري المجسد في نظريات العقد الاجتماعي التي تدحض فلسفة الكنسية في كون السلطة حق إلهي تمنحه السماء، عبر مباركة الكنيسة، والتي تنظر إلى السلطة على أنها حق للمجتمع منحه للحاكم، عبر عملية تعاقدية بين طرفين، هما الشعب مالك ومانح السلطة ومصدرها، والحاكم المخول بممارسة السلطة لمصلحة الشعب، وبمقتضيات بنود وروح العقد، الذي يحق للشعب إعادة النظر فيه، وخلع الحاكم إذا ما أخل الحاكم بذلك التعاقد. وبدأت تظهر معها مطالبها في المشاركة السياسية، فوجد من ثم نظام الغرفتين إحداهما لقوى الإقطاع الملكي، والتي تطورت فيما بعد إلى مجالس استشارية، بفعل تراجع دور قوى الإقطاع الملكي، والثانية للطبقة البرجوازية، التي تمكنت من انتزاع السلطة الفعلية من أيادي العروش، وربطت بين حق التصويت والملكية، وباتت تمارس السلطة بشكل فعلي وحصري، عبر أنظمة دستورية قائمة على مبدأ الفصل بين السلطات. وعندما نمت الطبقة العاملة وشبت عن الطوق نمت معها فلسفتها الاشتراكية، التي أعادت صياغة مضامين الحرية والعدالة الاجتماعية، وأعطتها مضامين اقتصادية، ومن ثم تمكنت من كسر احتكار الطبقة البرجوازية لحق التصويت، ودخلت معترك الحياة السياسية، وبدخولها ميدان الحياة السياسة دخلت معها كافة الشرائح الاجتماعية المهشمة كالمرأة، والأقليات، فأصبح النظام السياسي يستوعب كل أطياف المجتمع. وحدثت كل هذه التطورات بمعزل عن وجود عامل خارجي، فلم تحدث عملية اختراق أو قطع لصيرورة تطور تلك المجتمعات، يمكن أن تؤثر على مسار تطورها، أو تحدث عملية انحراف حادة تغير من توجهها. وهذا ما لم يتوفر للشعوب والدول النامية عامة ومنها اليمن، إذ أن تطورها تأخر، ولم يأت إلا بعد أن أصبحت في العالم نماذج وتجارب رائدة يسعى الكل إلى محاولة تقليدها والاحتذاء بها، تبنتها القوى السياسية والاجتماعية، وشكلت بالنسبة لها أساساً نظرياً وبرنامجاً سياسياً، حيث بدأت من حيث انتهى الآخرون، وهذه مسألة طبيعية ومنطقية، سيما في ظل عدم وجود بدائل محلية. لكن تبقى المشكلة في قدرة تلك المجتمعات على القبول والتعامل والتكيف مع تلك الرؤى، وتلك الفلسفات، وتلك النظريات التي لم تألفها، والتي أتت من خارج سياقها التاريخي. وعلى المستوى التطبيقي والعملي وجدت هذه الشعوب نفسها وقد أصبحت تحت سيطرة وسطوة القوى الأجنبية التي تتبنى تلك النظريات والفلسفات التي أبدعتها في بلادها، وبنت منجزها الحضاري والعلمي على أساسها، فلم يعد بوسع الشعوب والدول النامية أن تتعلم وأن تقتبس من خيرة، ومن إنجازات، ومن تجارب الآخر بحرية، بعد أن أصبحت هي نفسها تحت سطوة هذا الآخر، بل بات عليها أن تتعلم منه، وأن تقاومه، وتعمل على التخلص من سطوته في نفس الوقت، وهي عملية معقدة خلقت مزيجاً من الرؤى والتوجهات المتضاربة، فالآخر بالنسبة لها هو مبدع، ورائد، ومتسلط، ومستعمر في نفس الوقت، وفي ظل هذا المناخ الدولي بكل تفاعلاته وتعقيداته ولدت ونمت وتطورت الحركة الوطنية في جنوب اليمن.